محمد متولي الشعراوي

6439

تفسير الشعراوى

يقول الحق : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ ( 190 ) [ آل عمران ] والإكراه إنما يكون على أمر غير متبيّن ، أما الدّين فأمر يتبيّن فيه الرشد ؛ لأن المنهج حين يطلب منك ألا تسرق غيرك ، فهو يضمن لك ألا يسرقك الغير ، وحين يأمرك ألا تنظر إلى محارم غيرك ، فهو يحمى محارمك ، وحين يأمرك ألا تغتاب أحدا ، وألا تحقد على أحد ، ففي هذا كله راحة للإنسان . إذن : فما يطلبه المنهج هو كل أمر مريح للإنسان ، وأنت إن نظرت في مطلوبات المنهج فلن تجدها مطلوبة منك وحدك ، ولكن مطلوبة من الناس لك أيضا . وهو تبادل مراد من اللّه لإعمار الكون أخذا وعطاء . ولذلك لا يحتاج مثل هذا الرشد إلى إكراه عليه ، بل تجد فيه البينة واضحة فاصلة بينه وبين الغىّ . والآفة أن بعضا من الناس يستخدمون هذه الآية في غير موضعها ، فحين تطلب من مسلم أن يصلّى تجده يقول لك : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ . . ( 256 ) [ البقرة ] ولك أن تقول له : لا إكراه في الحمل على الدّين والإيمان به ، لكنك إذا آمنت بالدّين فإياك أن تكسره ، بتعطيل منهجه أو الإعراض عنه . ولذلك يشدّد الحق سبحانه عقوبة الخروج من الدين ؛ لأن الحق سبحانه لم يكره أحدا على الدخول في الدين ، بل للإنسان أن يفكر ويتدبر ؛ لأنه إن دخل في الدين وارتكب ذنبا فسيلقى عقاب الذنب ؛ لأنه دخل برغبته واختاره بيقينه ، فالمخالفة لها عقابها .